إبراهيم غرايبة
منذ قرنين من الزمان وأكثر، تواجه المجتمعات والجماعات العربية سؤال الإصلاح والتحديث والتقدم، منذ صدمة اكتشاف الغرب، والثورة الفرنسية والثورة الأميركية، والحملة الفرنسية على مصر، والآلة البخارية، والكشوف والرحلات ثم الاحتلال الكولونيالي المباشر للعالم الإسلامي، والحركات القومية والاستقلالية والليبرالية واليسارية والإسلامية، السؤال هو نفسه باق لا يتزحزح، والإجابة مثل تجارب سيزيف ومحاولاته، لماذا فشلنا في تحقيق الإصلاح؟ هل فشلنا في إدراك الإصلاح والتقدم؟ هل فشلنا في تطبيق الفهم الصحيح إن تشكل مثل هذا الفهم؟
واليوم وقد تشكّل فهم عالمي لدور المجتمعات وضرورة تمكينها بعدما روجعت تجارب الحكومات والدول والشركات ليصل العالم إلى فكرة مفادها ضرورة الشراكة والتوازن بين الحكومات والشركات والمجتمعات، فإننا نحتاج الى فحص قدرة المجتمعات واستعدادها للإصلاح والتنمية بعدما تأكد لنا عجز دولة الرفاه والتنمية، وتطبيق نظام السوق الذي تحول إلى إقطاع فظيع.
من النخب إلى الحكومات إلى الجماهير ثم السوق والشركات، تشكلت المبادرات الإصلاحية أولاً على أكتاف النخب، ثم تحولت إلى حركات جماهيرية (قومية ويسارية وإسلامية) أو ببرامج ومشروعات حكومية (دولة الرفاه والتنمية)، وعندما تخلت الحكومات عن دورها للشركات والقطاع الخاص تشكل سؤال المجتمعات والإصلاح وشروطه ومقتضياته وفرصه، كيف تؤثر المجتمعات في أداء أو خدمات الحكومات والشركات نحو مصالحها واحتياجاتها؟ كيف توسع وتزيد خياراتها؟ هل هي قادرة على إدراك ما تريده وتسعى إليه؟
على سبيل المثال: ثمة شكوى عامة ومنتشرة عن ضعف المستوى العام للصحافة والإعلام في الدول العربية، وبُعدها من التحليل العميق والتوقعات والتقديرات الصحيحة أو المنطقية، وعجزها عن الشراكة مع المجتمعات في تطوير تأثيرها وتلبية احتياجاتها وأولوياتها، فهل هي أزمة الإعلام أم أزمة المجتمعات؟
الواقع أنها أزمة الفرد والقارئ العربي أكثر مما هي أزمة الإعلام، فالمستهلك هو الحكم النهائي وهو الممثل الشرعي والوحيد (المفترض) لما ينتجه الإعلام، كيف ترقى المجتمعات بأداء المؤسسات الإعلامية المفترض أنها شركات خاصة تعمل وفق شروط السوق ومتطلباته وتهدف أساساً إلى إرضاء الأفراد والمجتمعات وملاءمة أذواقها؟
يعتقد الناشرون، كثير منهم أو غالبيتهم، أن المستهلك لا يريد وربما لا يحتاج محتوى راقياً وجاداً وتحليلاً عميقاً للأحداث ومعالجات فكريةً وفلسفية، وهو اعتقاد مريح للناشرين والمنتجين بطبيعة الحال، فالصحافة الخفيفة والمسلية قليلة التكلفة نسبياً، وتجلب المعلنين والمستهلكين… والأرباح أيضاً. وفي المقابل، فإن الصحافة الجادة تحتاج إلى خبرات كبيرة ومتخصصين وجهد كبير في العمل الصحافي والبحثي والمعرفي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ