الخواء
كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 30 أغسطس 2009 الساعة: 14:33 م
الخواء
إبراهيم غرايبة
ربما تكون حالة أن يعيش المرء بلا وعي أو مقصد أخطر بكثير من أن يكون مخطئا، وهي حالة إن اعترفنا بها فسوف تصرفنا عن القلق على المخطئين في المجتمع خطأ واضحا محددا أيا كان خطأهم إلى الخطيئة الكبرى التي تشبه الوباء المتوطن، فمعرفة المرء المجتمع أو السلطة لحالة من الإدمان أو السرقة أو الإهمال يشكل بداية للإدراك والعمل على العلاج والمواجهة، ولكن المشكلة الكبرى في حالات وأعمال لا ينظر إليها على أنها خطأ تجب مواجهته أو مرض يجب العلاج منه.
لنتخيل تداعيات حالة منتشرة لدينا وتكاد تكون الحالة الغالبة، وهي غياب الهدف الواضح في الحياة أو التصور العملي والواقعي للنمو والنجاح، وغياب المشاركة العامة والانتماء، أو لنقل "الخواء"، أن يكون وجودنا أو عدم وجودنا سواء، ماذا نعمل؟ وماذا ينقص لو لم نؤد عملنا؟ ما أهمية عملنا ووجودنا لأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا ودولنا؟
يتشكل الخواء في غياب "الفردانية" وهي عبارة منحوتة لتمييزها عن "الفردية" برغم أنهما شيء واحد، ولكن تعبير الفردية صاحبته ظلال من المعاني والأفكار التي تجعل المصطلح تعبيرا عن الذم، وهذه أحد مظاهر الخواء الغالبة، وهي ذم الجميل من الأفكار، أو عدم القدرة عل التمييز بين القبيح والحسن، وهنا نغرق في الخواء ونحن نحسب أننا نحسن صنعا!
فالمرء يتشكل وعيه لنفسه على نحو صحيح انطلاقا من الفردية، فيعرف ماذا يريد وكيف يحقق ما يريد، وفي غياب هذه الحالة فإننا (وهذا هو الحاصل غالبا) نسير وفق ما يحدد المجتمع والأسرة والبيئة المحيطة من الأفكار والقرارات، اختيار التخصص الجامعي على سبيل المثال، وما يترتب عليه من تحديد المصير النهائي لفئة واسعة من المواطنين يتم بناء على قيم وأفكار خارجية غير نابعة من إدراك أحدنا لمواهبه وقدراته، هذا فضلا عن أنه لم تجر على الغالب عمليات استكشاف ذاتية للمواهب والقدرات والميول والاتجاهات، وهكذا فقد مضينا في الحياة والعمل ثم المواقف والأفكار والمشاركة بلا اختيار واعي، ويمتد الخواء نفسه إلى العمل وقيمه والزواج والعمارة واللباس والطعام، فتكون حياتنا تصوغها اعتبارات "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون" برغم أن الموارد والأعمال والأسواق والمتطلبات والمناهج والأفكار تتغير كل يوم.
والأكثر غرابة أننا برغم ذم الفردية الكاسح نمارسها على نحو مرضي، فتجد العمل الفردي مبدعا، وإذا تحول إلى جماعي يفشل تماما، أحدنا يعمل وحده بجد وإبداع ولكنه غير قادر على أن يكون جزءا من فريق، والمشروع العام أو الاقتصادي أو التطوعي يفشل إن كان مشتركا وينجح إن كان فرديا، فتكاد تكون الشركات والمؤسسات والأعمال الكبرى العامة والخاصة هي مؤسسات الفرد الواحد، وفي تعقد المتطلبات والمهارات والاحتياج للتمويل فإن فرص بناء مؤسسات عامة جماعية تتضاءل، ونفضل عليها دكاكين صغيرة نقدر عليها، بل ونحول المشروعات الكبرى إلى دكان على مقاسنا الفردي، إنه خواء تحمل الفردية مسؤوليته، ولكن الصحيح هو العكس تماما، فهذا السلوك المستبد والعاجز عن المشاركة سببه غياب الاستقلالية والفردية!
اليوم يفكر عشرات الآلاف من خريجي الثانوية ومعهم وحولهم ربما المجتمع كله في مصير قطاع من الشباب وقدراتهم ورغباتهم ومسار حياتهم، كيف نختار الاختيار الصحيح.
المسألة ببساطة ليست كما تبدو ولكنها قصة الخواء والثراء الذي يحرك الإنسان لغاية جليلة وفكرة واضحة وعظيمة، وعلى بساطة هذه المسألة فإنها تشكل تحديا كبيرا يفسر لماذا يحصل كل عام حوالي عشرة آلاف شاب على تقدير ممتاز ولكنا لا نرى علماء ولا إنتاجا علميا أو فكريا ولا إبداعا، فماذا فعلنا بهذا النجاح؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























