النهر في شيخوخته - مقطع من رواية السراب

كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 25 نيسان 2009 الساعة: 06:43 ص

إبراهيم غرايبة 

يشعر وائل اليوم بأنه بحاجة إلى النهر أكثر من أي يوم مضى، برغم أنه فقد الكثير من معناه، لم يعد نهرا، ليس أكثر من واد تجري فيه مياه مالحة وملوثة، ولم يعد للمدن التي نشأت حوله ولا للناس علاقة به، ولم تعد كل القصص والروايات المتصلة به تعني شيئا، اختفى وكأن الحضارات والمدن التي قامت حوله، واستمدت وجودها منه اختفت هي الأخرى، ربما يتحدث عنها المؤرخون والرواة بعد ألف سنة بأنها غرقت مثل أتلانتس، ولم تعد سوى قصص غامضة بلا دليل ولا معنى، أو تتحول إلى أسطورة يختلف الناس في فهمها.

كانت السيارة الليموزين السوداء تهبط من الجبال الشاهقة والمطلة على نهر اليرموك وبحيرة طبريا كأنها مركبة فضائية يستكشف أصحابها كوكبا جديدا، ويعيدون اكتشاف أنفسهم أيضا، ويسألون أنفسهم بصمت وحذر، من هم؟

عندما كانا يتمشيان معا في واحة «الأزرق» سألته أوريت، وبينهما حفيدتهما سارة تمسك بيديهما معا إن كان ما زال يتمنى أن يزور في يوم واحد جبل الشيخ والجولان وطبريا ثم أم قيس وبيت رأس إلى الأزرق، كما كان يفعل الرحالة مثل ذلك في يوم واحد.

- ولكنا سنفعل العكس نبدأ من الأزرق إلى أن نصل إلى جبل الشيخ، وباستخدام الليموزين وليس على ظهر الخيل مثل بيركهارت!

- مازلت تتذكرين برغم مرور ثلاثين سنة!

كانا يلتقيان في الجامعة كل يوم تقريبا في منتصف السبعينيات، تفرقهما الصراعات، فهو عربي وهي إسرائيلية، وهو مسلم وهي يهودية، ويجمع بينهما حبهما للتاريخ وانتماء غامض لحضارة يعتقدان أنها واحدة، وأمها العراقية، والتي كانت موسوعة في التاريخ والمطبخ العراقي والمقامات، كأن الولايات المتحدة الأميركية وجامعة جورج واشنطن واحة يلتقي فيها بسلام المتحاربون والأعداء، ثم يعودون إلى حروبهم وعداوتهم، يحدثها عن نهر الأردن والأراميين والأماكن والقصص، وتحدثه عن الهوية والفنون والوجودية وقلق السؤال والإجابة.

طلبت منه يوما أن يدعوها إلى منسف في بيته، فأخبرها أنه سيحاول أن يعد لها المنسف لأن زوجته الأميركية لم تعش في الأردن سوى سنة واحدة، فدعته هي إلى بيت أمها المقيمة في الولايات المتحدة، فقد هاجرت من إسرائيل وفضلت أن تعيش في أميركا إذ كانت عاجزة عن العودة إلى العراق، وفي مقابل ذلك فقد دعاها إلى مطعم مغربي.

وعملت أوريت بعد تخرجها في العمل السياسي في إسرائيل، كانت ناشطة في حزب العمل وانتخبت نائبا في الكنيست وشغلت مناصب مهمة، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد ربع قرن لتعيش مع ابنتها داليا التي تخرجت من واشنطن وفضلت أن تعيش هناك، ولتجد أنها قد تزوجت من كريم ابن وائل!

قال لها وائل يوما: إنه بإمكانهما أن يذهبا في رحلة على الخيل فيزورا جبل الشيخ بجليده الدائم ووادي الأردن بشتائه الربيعي ثم يصعدا جبال عجلون ويبيتان في الصحراء في الأزرق، فيعيشان في يوم واحد مجموعة من المناخات المختلفة والمتباعدة والتي في غير هذا المكان لا يجمعها معا إلا قارة فسيحة.

- أنت لم تغادر النهر ولكنه غادرنا، تقول أوريت، كأننا نعيد حالة خروج آدم من الجنة، كأن جفاف النهر يرمز إلى خروجنا من الجنة، جفاف النهر وتلوثه مثل تآكل ملابس آدم وحواء عندما تناولا الثمرة المحرمة التي يجب ألا يقتربا منها، وكذا النهر يعلن خروجنا من الجنة، تغير كل شيء، ولم يعد لوجودنا معنى، برأيك لماذا قتل إسحق رابين؟

يتذكر عندما كان يسبح في النهر مستعيدا كل حكايات الأنبياء والقديسين، ويجلس في الكهف المجاور لشاطئه، يستريح ويحتمي من الحر، ويشرب من الماء الذي ينز من سقفها، لكنه كان أكثر من الظل والبرودة والماء العذب، ففي هذا المكان قرأ المناهج المدرسية والكتب والروايات، واستحضر الحكم والحكايات والتاريخ، كأن النهر كان مرجعه في التفكير والقرار والسؤال.

أصبح النهر شيخا مكلوما مهينا، يتذكر وائل بقايا مجده عندما كان يلجأ إليه كل يوم تقريبا، وهو يهدر مسرعا في الشتاء عندما تفيض الأودية والسيول المحيطة به، فتتدفق المياه الحمراء في مسار عرضه ألف متر، تسير وكأنها تغلي وأصوات الحجارة والسيول مثل جيش هائل، وفي نيسان عندما تذوب الثلوج في جبل الشيخ يتحول إلى بحر رائق من الفضة، وتبدأ الأسماك تتسلل إلى اليابسة، وكأنها تحسد البشر على حياتهم، ولم يكونوا يفوتون فرصة لهفتها فيضعون المصائد بين الأعشاب والشجيرات ويصيدونها كما الطيور.

لم يكونوا صيادي سمك، فقد كان النهر أقرب إلى القداسة أو هو مقدس بالفعل، ففي تلك البلاد لم تغير المسيحية ثم الإسلام كثيرا في رؤية الناس وحياتهم، وكأنهم أضفوا على المسيحية والإسلام كثيرا من المعتقدات والأساطير العميقة في التاريخ والوجدان والحياة، أو أنهم وجدوا أراميتهم في المسيحية والإسلام، إنهم أراميون يحملون ذكريات وروايات ما قبل الطوفان، ويجدون في النهر وما حوله ذلك الجزء المتبقي من الأرض كما كانت عليه قبل الطوفان.

كانت جنة آدم هي الأرض، وحين عصى ربه وغوى تحولت إلى صحاري وجبال قاسية، ولكن بقي نهر الأردن فقط على ما كانت عليه الأرض، ولذلك كان الأنبياء يعدون المؤمنين بجنات مثل جنان الأردن، الآلهة الجميلة أيضا لجأت إلى الأردن، جاء بعل وعشتار ويارا وفينوس وهداد وأيل، أقاموا في تلك الجبال المطلة على النهر، وتجمع الأراميون حولهم، وعندما جاء موسى مع بني إسرائيل استعادوا تلك الروايات المستقرة في الأعماق البعيدة، فقالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وبعد أربعمائة سنة كان إلياس يخاطب قومه في لستب، تلك البلدة على قمة الجبل «أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين»

ولكنهم مع الزمن أدخلوا رواياتهم ورؤاهم في المسيحية وصاروا مسيحيين أراميين، يحتفون بعشتار «استير» على أنه عيد قيامة المسيح، ويصومون في الربيع احتفالا بالخصب والعطاء، ثم يقدمون «القرى» وهي عادة ما زالت متبعة عند المسلمين والمسيحيين على السواء، وما زالوا يسمون موسم التزاوج عند المواشي «هداد» تيمنا بإله العطاء الأرامي، ويصلون قبل طلوع الشمس وبعد غروبها محتفين بها وبالليل والنهار ويصومون مع القمر، ويتوضؤون بمياه نهر الأردن كما تعمد المسيح، ويمضون إلى الحج يطوفون بين الصفا والمروة كأنما يبحثون بيأس عن الصواب، فالحقيقة تنشأ من السراب، هكذا فعلت هاجر أم إسماعيل، ظلت تتبع السراب بلا يأس حتى تحول إلى ماء، كلما توضأ وائل بمائه وصلى في تلك المغارة على جانبه يشعر أنه تلقى من الوحي أكبر بكثير من قدرته الجسدية فيمضي في ساعات من الاسترخاء والصمت كأنما يساعد نفسه على استيعاب المعرفة المتدفقة فيه.

يقول عمر لوائل: أنت من التيار الوثني في الإخوان المسلمين، والله أنا أقرب منك إلى الإسلام والإخوان!

- يصعب على مثلك أن يرى الأشياء كما يراها شمالي يظل وجهه ميمما نحو نجمة القطب الشمالي.

تبدو الأحاديث متداخلة مستطردة كأنهم غير قادرين على الصبر حتى تكتمل، فينتقلون من موضوع إلى آخر دون أن يكملوا شيئا من أحاديثهم، الحرب المنتظرة على الأبواب، والخلاف بين الأحزاب والحكومات والدول والتيارات السياسية، والحب والزميلات والزملاء، والمشاهدات والقصص في البلاد التي سافروا إليها، والأهل والأقارب، والدين والشعر والموسيقى، والزراعة والحصيدة والبيادر، والشطرنج والشدة، وأم كلثوم، وعبدالحليم، وعبدالوهاب، والعقاد، وسيد قطب، ونزار قباني، وطه حسين، وعبدالباسط عبد الصمد والحصري، وبدر شاكر السياب ونيتشة وسارتر وبول ريكور، والهبل والمجانين، والسحر والعين والحسد، وإشاعات القرى والمدن، والبساتين والمياه والجبال والأماكن والرحلات، والتخلف والتقدم والتنمية والديمقراطية والصراع مع إسرائيل والوجودية، والملابس والأسواق، يتنقلون بينها لا يعرفون كيف، ولا يعرفون هل هم متفقون أم مختلفون.

كان ذلك قبل أربعين سنة في صيف عام 1966 ولم يرجع وائل إلى النهر منذ ذلك التاريخ إلا اليوم بصحبة أوريت، ماذا حدث منذ اليوم؟ هل تاه في الأرض أربعين سنة؟

لا تكاد تلاحظ نهر الأردن أو تراه عندما تعبر من جسر الشيخ حسين فوقه، كأنه لم تقع هنا معركة اليرموك ومرج الصفر وطبقة فحل وحطين وعين جالوت، ليس أكثر من طريق مغطى بالزفت، وشيء يمكن وصفه بالماء، هل تعمد المسيح بهذا الماء؟

تبدو لوائل اليوم تلك الحادثة مثل حلم، لم يعد الوصول إلى النهر ممكنا، وفي المرات القليلة التي حاول الوصول إلى النهر مع ضيوف متلهفين لرؤية النهر كانت المحاولات معظمها تنتهي بالفشل، وأما المرات القليلة التي شاهد فيها النهر فقد كانت مخيبة ومحبطة أكثر من عدم زيارته، فالنهر لم يعد نهرا، ويكاد يكون غير موجود، ما معنى الأردن والأردنيين ولم يعد ثمة نهر الأردن؟

قالت له أوريت وهما يتجاوزان الجسر ويتوغلان في الشمال والغرب يصعدان جبل الشيخ معا، وحفيدتهما سارة تتقافز بينهما وتسبقهما قليلا ثم تعود إليهما: الأحزاب والنخب الإسرائيلية في أضعف حالاتها، ولم تشهد إسرائيل مثل هذا الانقسام في تاريخها، كنا نقول عام 1967 إنها فقدت رؤيتها، وفي عام 1977 فقدت الإجماع، وفي عام 1987 فقدت الأغلبية، وهي اليوم مقسومة مشتته كما لم تكن من قبل، عندك للسر مطرح؟ سأقول لك سرا، ستقوم حرب هذا الصيف، سنحارب في لبنان، الولايات المتحدة تريد لإسرائيل أن تحارب سوريا وإيران، والقيادات السياسية والعسكرية تبحث عن فرصة لإعادة حشد الإسرائيليين، وليس مثل الحرب يفعل ذلك، كنا نعتقد أن الانتفاضة ستوحد الإسرائيليين، وقد ساهمت بالفعل في تماسكهم، ولكنا اليوم بحاجة إلى أكثر من ذلك.

- لماذا تخبريني بذلك يا أوريت؟

- لأنك صديق عزيز وصهري وجد حفيدتي سارة، هل تظن أن سارة ستكون يهودية أم مسلمة؟

- تبدين غير مهتمة كثيرا، إنها الحرب يا أوريت، هل تفهمين معنى ذلك.

- أتمنى أن نكون جميعا عندما تندلع الحرب في الولايات المتحدة، أنا وأنت ننتمي إلى جيل الحرب، وأبناؤنا ينتمون إلى جيل المحاولة والشك والفوضى، ولكن أحفادنا لا علاقة لهم بالتجربتين، لا ينتمون إلى عالمنا ولا عالم آبائهم، لماذا ندفعهم إلى خياراتنا نحن وليس خياراتهم؟

- ولكنها الأرض المقدسة والمباركة لليهود والمسيحيين والمسلمين.

- وتلك هي المشكلة، إنها مقدسة عندما يكون للدين معنى آخر في الحياة، ولكن التدين الذي يسلكه اليوم المسلمون والمسيحيون واليهود يجعلها أرضا غير آمنة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “النهر في شيخوخته - مقطع من رواية السراب”

  1. الاخ الصديق ابراهيم..
    مساء الخير..
    الرواية عرفت انها مطبوعة بالامارات وهي تجربة اردنية ،والامارات ليست رائدة في التوزيع كمصر ولبنان ، من يتولى توزيعها في الاردن ، والمنطقة العربية..
    سلامي لك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر