رحلتي من اليقين إلى الشك … أو: تجربة في الحركة الإسلاميّة
كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 12 آذار 2009 الساعة: 15:11 م
إبراهيم غرايبة الحياة - 11/03/09//
أسأل نفسي منذ سنوات عدة بعدما أمضيت في الحركة الإسلامية ربع قرن: أين كنت وأين وصلت؟. وجدت أني أعيد على نفسي الأسئلة الأولى التي كنت أحاور نفسي بها حين كنت فتى صغيرا وقررت المشاركة في صفوف الإخوان المسلمين، كانت الأسئلة الأولى متعلقة بالدين والوجود والحياة، وقد لجأت إلى التدين بحثا عن الحرية والانعتاق، ثم وجدت نفسي منجرفا في مسار كان أكثر متعة وسهولة، ولكنه لم يواجه السؤال الحقيقي، فوجدت أني أعود إلى مواجهة السؤال مرة أخرى، وأني أمضيت ثلاثين عاما أدور حول نفسي. ربما كنت كما لو اني أتبع السراب بدأب، وكنت في ذلك أجد الكثير من النتائج والإنجازات واللهو والتسلية، ولكني فقدت السراب أيضا، يجب أن تظل ظمآنا حتى تلاحق السراب، وعندما تجد بأنك لست ظمآنا تدخل في مسار آخر مليء بالخواء والأوهام، ربما تكون صحيح العقل ومتفائلا ومنسجما مع البيئة المحيطة بك، ولكن بفقدانك لهذا القلق الجميل تفقد الدليل أيضا، ثم تجد أنك تدير نفسك بقناعات زائفة من اليقين والطمأنينة والسعادة، وهنا أيضا تكون خطورة التدين عندما يصرفك عن الحرية.
وتكتشف بعد فوات الأوان أنك أخطأت في اختلافك عن الآخرين ومعهم، وإن كنت تواصل اعتقادك بصواب فكرتك وموقفك، ولكنه اكتشاف متأخر لا يمكن إصلاحه، فعندما تحاول أن تنتمي إلى المجموع لا تجد لك مكانا، فلا أنت مستمتع بما أنت عليه ولا أنت قادر على ألا تكون غير ذلك!
كنت أعتقد أن الحركة الإسلامية هي الطريق إلى العدالة الاجتماعية. سيد قطب جر جيلا من الباحثين عن العدالة الاجتماعية إلى الإخوان المسلمين، وهو أيضا ساقهم بلغته الرائعة وقدراته العظيمة في الفكر والتأثير إلى حالة غيبية من استعلاء الإيمان وحتمية العدالة والتقدم تلقائيا بمجرد تطبيق الإسلام، وبعد أن علمنا أن نبحث عن العدالة الاجتماعية علمنا أن هذا البحث هو مثل استنبات البذور في الهواء، وأنه قبل تحكيم الإسلام وتطبيقه لا مجال لعمل أو فكر يبحث عن حلول وأفكار تحمل الإسلام مسؤولية أخطاء الأنظمة الجاهلية وتطبيقاتها. صار للمرة الأولى ثمة مفهوم جديد للجاهلية، إنها ما ليس حكم الله، فالناس بين خيارين حكم الجاهلية أو حكم الله: «أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون».
صحيح أن الإخوان المسلمين تجاوزوا هذه المفاهيم والأفكار، وخرج معظم الذين يحملون هذه الأفكار من الإخوان، وشاركوا في جماعات الجهاد والسلفية القتالية، ولكنها في الأردن بقيت مؤثرة على نحو ازدواجي فريد، فالكثير من أعضاء الإخوان المسلمين وقادتها يؤمنون بأفكار «التجهيل والتكفير والمفاصلة» ويشاركون في الوقت نفسه في الحياة العامة والسياسية كما لو أنهم لا يؤمنون بهذه الأفكار، وحتى أولئك الذين يؤمنون بالمشاركة السياسية والعامة مع المجتمعات والدول فإنهم لا يبتعدون كثيرا وهم يدعون إلى دولة إسلامية، أو إلى ديموقراطية إسلامية، أو في محاولتهم لتقديم خطاب إسلامي جديد مؤمن بالحريات والتعددية والديموقراطية، كان هذا الاكتشاف بالنسبة لي بمثابة مراجعة جديدة وجذرية لمساري الفكري ولمبررات الحركة الإسلامية وأهدافها ورؤيتها المؤسسة أو الحاكمة لخطابها ومواقفها.
في تجربتي كنت مشغولا بأسئلة الوجود، الخلق والكون والحياة، وبدأت ابحث عنها في الإسلام، وكانت الصحوة الإسلامية في منتصف السبعينات الأكثر حضورا. كنت أقرأ وأناقش، لم أجد إجابات شافية ولكن وجدت الكثير من الراحة النفسية، الشعور بالارتياح والسعادة، وتشكلت علاقات من الصداقة والمعرفة الجميلة والمؤثرة، لكن القلق الوجودي والبحث عن حلول فلسفية أو مشكلات المجتمع، كانت تبقى معلقة.
وبدأت أعتقد أنه ليس هناك في الإسلام شيء اسمه دولة إسلامية، ومن ثم فإن مشروع الحركة الإسلامية لتطبيق الشريعة الإسلامية أو إقامة الدولة الإسلامية هو مشروع وهمي، فالإسلام لا يطرح نموذجا محددا للدولة، يمكن أن يقرأ الإسلام قراءة اشتراكية، ويمكن أن يقرأ قراءة علمانية، أو رأسمالية، أو ليبرالية، كل الأفكار ممكن أن تجد لها تأييدا في الإسلام، والتاريخ الإسلامي فيه نماذج متعددة من التطبيقات والمفاهيم التي كلها تنسب إلى الإسلام، لكنها في كثير من الأحيان متناقضة. ثمة نماذج مستبدة وعادلة وتبقى إسلامية، وأخرى متقدمة أو متخلفة، لكنها تبقى أيضا إسلامية، وهكذا فإنك لا تستطيع نزع صفة الإسلام أو حصرها بنموذج من النماذج القائمة والتاريخية في الدول والحضارات والمجتمعات، فأيها الإسلامي وأيها غير الإسلامي، والواقع أنها تجارب المسلمين وأفكارهم وليست الإسلام.
وعندما نضجت لدي الفكرة السابقة بدأت تتشكل مع موجة الديموقراطية وموجة الحركات الإسلامية التي هبت على العالم الإسلامي محاولات لإنشاء «خطاب إسلامي ديموقراطي» و»دستور إسلامي» فوجدت أني أبتعد عن الأصدقاء والمجموعة التي كنت أنتمي إليها في الإخوان المسلمين، وهم المعتدلون أو الإصلاحيون. فعندما كنت أسأل هل ندعو إلى تدخل الدول في الاقتصاد أم يجب أن تتركه للسوق؟ كنت أجد محاولات مثقفي الإخوان في البحث عن أدلة وشواهد من الكتاب والسنة عملية غير مقنعة، لأنهم قادرون أيضا على أن يجدوا أدلة وشواهد لأي فكرة يؤمنون بها مسبقا، فالعلاقة بين الدولة والمجتمع، والحريات، والشورى، وإسناد السلطة إلى الأمة، كلها مسائل يمكن أن نجدها من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولكن لأننا نريد ذلك وآمنا به أولا، فالإسلام مرجعية عامة، ولكن الفهم والتطبيق والصواب عملية إنسانية يعتريها التقدم والتخلف والصواب والخطأ.
وجدت أن فكرة الدولة الإسلامية هي فكرة وهمية أو غير محددة، فالعمل والإصلاح هي عملية يجب أنسنتها وليس تديينها، وهكذا فقد تكونت لدي قناعة بعد خمس وعشرين سنة من المشاركة في جماعة الإخوان المسلمين أنه لم يعد لي مكان فيها، وجدت نفسي مختلفا عنهم.
كنت أدرك هذا التناقض قبل سنوات طويلة، ولكنه بدأ شعورا ثم رغبة في الابتعاد والعزلة دون خروج تنظيمي، وقد فعلت ذلك بالفعل عدة سنوات، ولكن عندما تقدم المعتدلون في الانتخابات التنظيمية في بداية التسعينات، وهم أصدقاء أعزاء وأمضيت وإياهم فترة طويلة من العمل المشترك والتفكير المشترك أيضا، وجدت نفسي منجرفا في مشاركة قيادية واسعة معهم، في العمل الإعلامي والسياسي والتخطيط والتثقيف. والواقع أنها كانت تجربة عظيمة بالنسبة لي، أفدت منها كثيرا، وشباب الإخوان فريق أعتز كثيرا بصداقته وصحبته، وكنت أتمنى لو استطعت المحافظة على هذه الصداقة، ولكني للأسف الشديد لم أستطع أن أجمع بين الخروج من الجماعة وصداقة هذه المجموعة من الإخوان. كنت مدركا أني سأخسر صداقتهم، ولكني أيضا لم أكن قادرا على مواصلة عدم الانسجام، ولم أكن أيضا قادرا على نشر وتثبيت فكرة أننا في خطابنا الذي نقدمه للإصلاح والحريات والتقدم لا نقدم نموذجا إسلاميا خاصا، ولكنه نموذج إنساني نلتقي به مع غيرنا من التيارات والأفكار، ولكن ذلك برغم بداهته بالنسبة لي كان يبدو صدمة كبيرة في صفوف الإخوان، حتى الأصدقاء المعتدلون والمثقفون منهم رفضوا المقولة قطعيا.
ما كنت أدعو إليه ليس بدعة اكتشفتها، فقد عرضه من قبل بحجة قوية علي عبد الرازق في عشرينات القرن العشرين في كتابه «الإسلام وأصول الحكم». فالتسمية الصحيحة للبرامج والأفكار والمشروعات والجماعات أنها خطاب «المسلمين» وليس «الإسلام» فهي تحاول أن تستوعب الإسلام، لكنها ليست الإسلام، ولا يستطيع أحد ان يقول إن هذا هو الإسلام أو هذا ليس الإسلام، والجماعات السياسية الإسلامية تعكس الحالة التي كانت تعيش فيها، هي جماعات سياسية واجتماعية قبل كل شيء، بدأت في نهاية القرن التاسع عشر تبحث عن الإصلاح وتدرس النموذج الغربي وتحاول أن تستلهمه، ثم كانت حركات استقلالية ومقاومة للاحتلال، واليوم هي حركات سياسية تنافس للوصول إلى السلطة والمشاركة فيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 13th, 2009 at 13 مارس 2009 8:47 ص
، هل وجدت اجابة وافية في التجربة الانسانية تتفق مع روح الاسلام ؟؟ السؤال يعيد انتاج نفسه ، هل وجدت روح الاسلام ؟!!! هل هي روح فردية ام جماعية ، راسمالية ليبرالية ام اشتراكية ، ؟!! ما هي بالضبط ؟!!و ان كانت روحا من نوع خاص ان كانت “روحااسلامية” لها قسماتها الخاصة ، فهل هي اقرب الى الراسمالية منها الى الاشتراكية ام العكس ؟!! اين تضعها حين تجيب على اسئلة العصر ، حقوق الانسان و الحرية الفردية ، و الحقوق المدنية ، و اليات السوق ، تنظيم الاقتصاد ، هل روح الاسلام مع الحرية المطلقة للفرد ام انها مع تقنينها بضوابط ؟!!!
مرة قلت لأمي انني ضد الطبقية ، فقالت لي ” ان الله أوجد الطبقات كإحدى نواميس الطبيعة و الخلق و جزء من تكليف الانسان و امتحانه ” و ذكرتني في الاية ” و جعلنا بعضكم فوق بعض سخريا” سألت احد المتدينين ” الشيوخ” فأجاب بما يشبه ذلك ، سألته عن موقفه من افراز التصنيع لفائض القيمة بما يطرحه من اشكال حقيقي له علاقة بحق العامل ، فأجاب بان ماركس يهودي !!
يخطر لي احيانا بان ثمة شكل معين للدولة الاسلامية ، و لكنه شكل عجز المفكرون الاسلاميون عن استجلاء ملامحه ، لا لشيء الا لكسلهم و ميلهم نحو الاجابة الجهازه المعلبة و امضاء اوقاتهم عالة على مؤلفات و كتب و خلاصات فكرية لجيل مضى في عصر مضى
مارس 14th, 2009 at 14 مارس 2009 9:03 م
أبا جهاد العزيز:
الأخوة باقية ما بقي الإسلام، والعلاقة باقية ما بقيت الإنسانية.
والود موجود ما دام الوفاء موجودا - على ندرته - فالحر من راعى وداد لحظة.
أما الشك فقد شك قبل كثيرون حتى وصلوا لليقين، أدعو لك ان تصل لليقين قبل أن يأتيك اليقين!!
حسبك من الشك يقينك بالله.
ختاما: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، نصيحتي ان تعيش بين الإثنين!!
مارس 17th, 2009 at 17 مارس 2009 9:08 ص
المشكلة أننا تربينا على الوفاء لأصدقائنا ، ونشعر بأننا نخـونهم لو فكرنا قليلا خارج المنظومة العامة ، إننا نلتقي معا ، ولكننا نسأل في أنفسنا سؤال حائر عن الأخر ، أما زال مقتنعا حقا بما كنا نطرحه في أسرنا وجلساتنا؟
، علاقة الأخ بالأخوان تشبه كثيرا علاقة الأبن بدار أبيه ، عندما يخرج منها ليبني بيته الجديد ، أنه يشعر بالخيانة لأمه لو أنه استطعم قليلا بطعام زوجته ؟؟؟
العلاقة مع الأخوان هي علاقة عائلية أكثر منها علاقة تنظيمية ، لذلك إذا خرج أحد عنهم ، تراه ينظر الى نفسه كالإبن العاق
نحن مثلك أحيانا ، نتخفى عن الناس ، عندما يخطر ببالنا ، أن ما كنا نعيشه كان وهـم وسراب ، وخصوصا أننا لم نتحول من الأخوان الى السلفية أو الصوفية ، لنرضي ضمائرنا .
كم هو متناقض وغريب ، أن تكون إبنا شرعيا للأخوان وتحمل نسبهم ، ولكنك في الحقيقة تعيش علمانية حقيقية ..
مارس 30th, 2009 at 30 مارس 2009 1:05 م
الأستاذ ابراهيم
تحية محبة وتقدير
أجد نفسي مدفوعا لقراءة مقالتك مرات عديدة والوقوف عند كل فقرة للوصول الى ماتطرحه من افكار ومداخلات ومراجعات وقراءات تستوقفنا بالضرورة لتعرض علينا رؤية لحقيقة الواقع وتجيب على حيرتنا الطويلة من تساؤلات عاشت معنا ولاتزال
أبريل 24th, 2009 at 24 أبريل 2009 6:30 م
يارب تستفاد من مدونتى الاسلاميه دى هاتفيدك جدا
http://noureldens.maktoobblog.com/
يوليو 25th, 2009 at 25 يوليو 2009 9:31 ص
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
سبتمبر 6th, 2009 at 6 سبتمبر 2009 12:12 ص
الذي يخوض التجربة بفكره يصعب عليه قبول المنهج التطبيقي البحت الذي تسير عليه جماعة الأخوان المسلمين , و المشكلة الكبرى لديهم هي أنهم يحاولون استيعاب الجميع و يرون أن هذه هي الوسيلة الأفضل لتقليص عدد الأعداء فحتى بعض الشخصيات التي قد تكون تافهة ستجدها ربما قد حازت مكانة قيادية في الجماعة ! .
بالنسبة لقضية الكون و الوجود فلي كتاب في هذا الأمر اسمه “تحقيق خلافة الإنسان على الأرض ”
أعتبره عربون صداقة لك
تجده هنا
http://jameelvoice.maktoobblog.com/about-g-a-g-h/