حياة اقتصادية خفية تتنامى بعيدا عن الحكومات والقوانين والشركات

كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 2 آذار 2009 الساعة: 08:05 ص

إبراهيم غرايبة

تشترك الاقتصادات المتقدمة والفقيرة في ظاهرة تنامي الأعمال والمشروعات الفردية والشبكية الخفية أو غير المسجلة لدى الجهات الحكومية والرسمية المنوط بها تنظيم العمل والنشاط الاقتصادي والتجاري، فثمة قطاع واسع من الأعمال المختلفة والمعقدة مما لا تنظمها أو تعلم عنها مؤسسات الإحصاءات والضريبة ووزارات العمل والصناعة والتجارة تتراوح بين العمل الاقتصادي المهمش والمحدود وبين والعمل الفردي المتقدم غير المؤسسي عبر شبكة الإنترنت، بدءا بالاستشارات والأعمال المحاسبية والتسويق والإدارة والتصميم والأعمال المهنية المتقدمة والمعقدة التي تسهلها شبكات الإنترنت والاتصالات، وانتهاء بإعداد الوجبات الغذائية والقهوة في المنازل وتوزيعها على البيوت والمكاتب، سلسلة طويلة متنامية ومعقدة من الأعمال تساعد على أدائها شبكات الإنترنت والاتصالات، أو تفرضها تفاعلات المدن والمجتمعات ومتطلباتها المعيشية والاقتصادية.

فتتطور أعمال ربات المنازل من إعداد الوجبات والمطرزات والخدمات المنزلية إلى تسويق المنتجات والأدوات المنزلية وأدوات التجميل بتنظيم تجمعات ولقاءات اجتماعية لربات المنازل في البيوت، إلى إدارة عمليات الحجز لرحلات الطيران والفنادق عبر الشبكة العنكبوتية.

وهناك أيضا التدريس الخصوصي، وهو قطاع يتنامي ويكاد يشكل بديلا فاعلا للمؤسسات التعليمية الرسمية منها والخاصة أيضا والتي تواجه تحديات كبرى تجعلها عرضة لتغييرات جذرية ستزيد كثيرا من مشاركة الأسر في إدارتها وتنظيمها والرقابة عليها وبخاصة مع تنامي دور الإنترنت في التعليم.

وبالطبع فإنها ظاهرة عالمية تلجأ إليها جميع المجتمعات من أجل الإبداع وتحقيق الذات، وتوسعة مصادر الدخل، ومواجهة الأعباء والتحديات، التحايل على قسوة وتعقيد متطلبات الحياة، ولكنها في كثير من الأحيان تكون استجابة طموحة لتحديات وفرص التحولات والوعود الاقتصادية الناشئة.

وبعيدا عن العمل القانوني فثمة قطاع واسع من العمل غير القانوني وغير الخطير أيضا مثل تهريب البضائع على نحو فردي من خلال الرحلات الفردية ثم تسويقها، ومن أطرفها وأغربها عمليات العلاج بالحجب والقراءة والتحكم بالجن التي تحولت في مرحلة (يبدو أنها تتراجع ومتجهة إلى الانحسار) إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية جعلت أطباء يحولون عياداتهم إلى مراكز للعلاج بالقرآن، ومن الغريب أن بعض هذه العيادات الطبية التي كانت تعاني من إعراض تحولت إلى مركز يستقبل العشرات يوميا، وتحتاج للانتظار ساعات طويلة حتى تستطيع الدخول إلى الطبيب ليعالجك بالقرآن والأدعية والأعشاب والمواد الشعبية الطبية وغير الطبية ويخلصك من آلام الظهر والديسك والجن والصداع والعقم والحساسية والسكر والسرطان، ودخل إلى السوق أكاديميون وصيادلة مستخدمين شهاداتهم العلمية والفضائيات والإعلانات الصحفية.

يشمل مفهوم الاقتصاد الخفي أو غير الرسمي قطاعا واسعا من النشاط والعمل الاقتصادي، القانوني وغير القانوني، والمؤسسي والفردي، والبدائي والمتقدم، ويعمل فيه الأغنياء والفقراء، ويزدهر في الدول المتقدمة والنامية أيضا، وما يضع هذا القطاع الواسع المتنوع والمختلف تحت اسم “غير الرسمي” أنه لا يخضع للتوثيق والإحصاء وتنظيم ومراقبة الجهات الرسمية المختصة كالصناعة والتجارة والعمل والضريبة.

فيشكل هذا الاقتصاد غير المنظم أو غير الرسمي حوالي خمس الناتج المحلي في الأردن، 27% من الاقتصاد الأمريكي، ويستوعب ربع القوى العاملة الأردنية، ويكسب حوالي 90% على الأقل من العمال في الهند معيشتهم من وظائف في القطاع غير الرسمي، ويسهم هؤلاء العمال بنسبة 60% من الناتج المحلي الصافي، وبنسبة 70% من الدخل المحلي، ويعمل أكثر من نصف السكان النشطين اقتصادياً في الفيليبين في المؤسسات الصغيرة جداً، ويشكل الاقتصاد غير الرسمي  49% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي في البيرو، و70% في نيجيريا ومصر، ويبلغ عدد المؤسسات الصغيرة جدا في أوكرانيا 2.6  مليون مؤسسة تمثل  87% من جميع الشركات في ذلك البلد، وتتكون من أفراد يعملون لحسابهم الخاص، يُنتجون ويوزّعون و/أو يبيعون السلع في السوق المحلية، وتعتمد المكسيك على مؤسسات الأعمال الصغيرة جداً لتوليد 32% من إنتاجها القومي الإجمالي 64% من مجمل العمالة فيها.

ويشمل الاقتصاد غير المنظم قطاعا واسعا من الأعمال، مثل المؤسسات الصغيرة التي يقل عدد العاملين فيها عن رقم معين تحدده القوانين والتشريعات في الدول (خمسة في الأردن وتسعة في مصر) وفئات العمل المهمشة مثل عمال المياومة، وعمل ربات المنازل، والنقل بالسيارات الخاصة، والأنشطة غير القانونية مثل التهريب، وأعمال قانونية لكنها تمارس بدون تنظيم قانوني، والباعة المتجولون وباعة الأرصفة والساحات، والحيازات الصغيرة جدا، وتربية المواشي والطيور والنحل بأعداد قليلة، والأعمال المنزلية مثل الأطعمة والملابس والمشغولات لأغراض الاستهلاك أو الاتجار المحدود، والوساطات التجارية والتسويق عبر الوسائل الشخصية المحدودة أو بالهاتف والبريد الإلكتروني، والتدريس الخصوصي، والخدمات المنزلية مثل رعاية الأطفال وكبار السن.

وتكشف الدراسات والمسوحات في الأردن أن قطاع البناء يستوعب حوالي 30 ألف عامل غير منظم من بينهم عشرة آلاف عامل غير أردني.

ويغلب على تعامل الحكومات مع هذا القطاع الاقتصادي ملاحقة المخالفين للقوانين التي تنظم العمليات التجارية والاقتصادية دون ملاحظة أنه قطاع متميز يمكن أن يستوعب ويوفر جزءا كبيرا من الاحتياجات المالية والعملية للأفراد والأسر والمجتمعات، أو يشكل دخلا إضافيا لها، أو يبدع أفكارا ومشروعات مهمة وبخاصة في مرحلة انتشار شبكات الاتصال والمعلوماتية التي يمكن أن تعطي فرصا واسعة لأعمال ومشروعات غير رسمية لكنها متقدمة مهنيا وتقنيا.

فمن وجهة نظر كثير من المؤسسات الحكومية هو ساحة لتسويق الممنوعات والبضائع المهربة أو التالفة أو غير المطابقة للمواصفات، كما أنه ينطوي على كثير من المخالفات والانتهاكات، مثل تشغيل الأطفال، واستغلال العاملين وعدم الالتزام بحقوق العمال وإجراءات السلامة، والتهميش الاجتماعي والمهني، ومحدودية فرص الارتقاء الحرفي والمهني.

وفي المقابل فإن كثيرا من الخبراء والنشطاء في التنمية والديمقراطية الاجتماعية يرون فيه فاعلية اجتماعية تطور ديناميكيات المجتمع والأفراد لإبداع علاقات تجارية واجتماعية تساعد في تحقيق الاحتياجات وترفع مستوى المعيشة، وتخفف من الضرائب والنفقات.

فالأسواق والمجتمعات تنشئ قوانينها وآلياتها وتطور نفسها وتنظمها وفق احتياجاتها، ولا تحتاج سوى لتدخل قليل للتأكد من الوفاء بالحقوق والمواصفات والمعايير الفنية والصحية التي تضعها المؤسسات المختصة، وفي أحيان كثيرة فإن الاقتصاد غير المنظم يواكب التقنية والتطور المهني أكثر من الاقتصاد المنظم.

تقول إمّي سيمونز، مساعدة مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، إن الحكومة الأميركية تعتقد أن أحد العناصر الأساسية في إستراتيجيتها الرامية إلى تقليص الفقر يكمن في مساندة النشاطات التجارية والصناعية الصغيرة المسمّاة مؤسسات الأعمال الصغيرة جداً. وتضيف سيمونز أنه تتم حالياً توسعة نطاق هذا الدعم لمعالجة بعض أكثر التحديات التي تواجهها التنمية صعوبة في العالم، وهي المتمثلة بإعادة بناء الاقتصادات التي خربّتها الحروب الأهلية والمجتمعات التي تضررت من جراء مرض نقص المناعة المكتسبة/الإيدز.

وتبيّن الإحصاءات المتاحة كما أسلفنا من قبل الدور الأساسي الذي تلعبه مؤسسات الأعمال الصغيرة في خلق الوظائف، فهي تشكل نصف القوة العاملة غير الزراعية في أميركا اللاتينية، وثلثي القوة العاملة غير الزراعية في إفريقيا، وتُولّد شركات القطاع غير الرسمي ثلاثاً من أصل كل أربع وظائف جديدة غير زراعية في تايلاندا، ونصف الوظائف الجديدة في إندونيسيا، وتؤمن المؤسسات التي يعمل فيها خمسة موظفين أو أقل في إندونيسيا حوالي نصف الوظائف في الصناعة.

وقد أوردت دراسة أعدتها سنة 2002 المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (CGAP)، وهي مجموعة استشارية مؤلفة من 29 جهة مانحة لتمويل مؤسسات الأعمال الصغيرة جدا، أمثلة عن فوائد منوعة في مجموعة من البلدان. ففي السلفادور، مثلاً، ازداد مُتوسّط الدخل الأسبوعي لزبائن مؤسسة المساعدة الدولية للمجتمعات المحلية (FINCA) 1 بنسبة 145%. وفي الهند، خرج نصف زبائن مؤسسة “التشارك” SHARE2 من دائرة الفقر. وكشفت دراسة المجموعة الاستشارية السالفة الذكر أيضاً عن مكاسب مثيرة للإعجاب في مجالات التعليم والصحة والتغذية، ففي فيتنام، انخفض العجز الغذائي لزبائن المنظمة المشاركة لمؤسسة أنقذوا الأطفال (Save the Children) من ثلاثة أشهر إلى شهر واحد، وفي بنغلادش، تلقّت جميع الفتيات تقريباً من أُسر زبائن بنك غرامين التعليم، بالمقارنة مع 60 بالمئة من الفتيات من أُسر ليست من زبائن البنك، والواقع أن هذا البنك الذي أصبح نموذجا عالميا، ومنح مؤسسه محمد يونس جائزة نوبل عام 2006 أكثر من إشارة عابرة، ولكن العبرة الأساسية في هذا المقام هي ملاحظة كيف تساعد الشبكية والعولمة القائمة اليوم على إنشاء مشروعات صغيرة وعالمية تلتقط الفرص والإمكانيات وتنشئ اقتصادا وعملا جديدا سبق أن أشرت إليه بالوصف بأنه عمل “بلا ياقات”

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حياة اقتصادية خفية تتنامى بعيدا عن الحكومات والقوانين والشركات”

  1. أستاذ إبراهيم أبدي لك خالص إعجابي بمدونتك الرائعة
    مع خالص تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر