شرفة بعيدة .. تنتظر
كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 16 شباط 2009 الساعة: 09:52 ص
إبراهيم غرايبة
بسمة الخطيب تؤكد أن القصة القصيرة باقية وبخير، نصوص مكثفة مليئة بالأسطورة والصورة والفلسفة، يتفاعل الواقع مع الخيال، ويكمل أحدهما الآخر، وتتوزع المشاهد والبطولة بين الناس والطيور والزهور والحيوانات، وفي جميع الأحوال تظل مترعة بالحياة وهي يخيم عليها الموت.
في يقظة الميت يكون الموت قصتنا جميعا، لكل واحد قصته، نذهب إلى العزاء أو نتلقاه، لكنا نبقى دائما مع موتنا الخاص، كأن العزاء والحياة كلها هروب من الموت، لكنا نواجهه دائما، في الذكرى والتحدي معه، الموت يمنحنا الحياة والخلود أيضا.
وفي القاتل أسطورة مدهشة، للفتى المحب، يصنع تمثالا لحبيبته، منذ الطفولة، وعندما رفضت طلبه الزواج حين كبرا، غرس في صدر التمثال سكينا، شعرت هي في اللحظة نفسها أن سكينا غرست في صدرها، مرضت وأعيت الطب والسحر، وماتت، .. كان التمثال ينزف دما.
وفي أرض أقل قسوة يغيب الزوج عندما خرج للصيد، أصبح طعاما على مائدة جائع آخر، وتواصل زوجته الانتظار بالنظر إلى الأفق، يموت الطفل جوعا، تطلق الزوجة جناحيها بحثا عن أرض أقل قسوة، ولا نعرف هل تتحدث القصة عن إنسان أم طير، ولكن ذلك لا يشكل فرقا.
وفي قصاصات (وربما كان أجمل لو سميت كريستال) مولعة بأرشيفها الذي يضم قصاصات الصحف والملاحق الثقافية، تمضي حياتها معه، ويمضى زوجها حياته وحيدا أو كأنه مازال أعزبا، وعندما رأته مع صديقته في المقهى غارقين في القبل ودخان الأراغيل لم تظهر غضبها، بقيت واقفة خلف زجاج المقهى حتى ابتلع دخان المقهى شفتي الفتاة، أعدت له العشاء في تلك الليلة، ثم افترقا إلى الأبد، أخفت دمعتها خلف رواية لكونديرا وهي تراقب شاحنة تنقل مقتنياتها،كان العامل ينقل المقتنيات بحذر كما أوصاه زوجها “السابق” وعندما فتحت الصناديق وجدت قطع الكريستال الثمينة التي اشترتها ملفوفة بقصاصات الملاحق الثقافية “أرشيفها”
في حياء واقعية قاسية شفيفة كأنها تقرير صحفي جميل وبليغ: يكتشف الوالدان بعد فوات الأوان أن ابنتهما مصابة بسرطان ناجم عن التهابات حادة في الأعضاء التناسلية، كانا مشغولين أبدا بقلة حيائها لأنها تحك أسفلها بإلحاح.
الراقص: قصة على لسان أو دب أو قرد أو الحيوانات ( ولعله رجل، فلم أعرف) التي ترقص برفقة أصحابها وهم يعزفون، قالت له في نهاية اليوم “كم أنت بارع في الرقص”، فعرفت لأول مرة أن ما أقوم به هو “الرقص” وأن للألم عند البشر أكثر من اسم.
ليلة بيضاء: كاميرا التلفزيون وهي تصور الألم الذي تنقله للفقراء أو ضحايا الجرائم والعنف كأنها تعلمنا ألا نبكي تعاطفا مع المقهورين، كان الفتى الذي يحبها يريد أن ينجب ستة أطفال صبيان، ثم تزوج غيرها، وتمنت أن ينجب بنات، أو ألا ينجب بل مرة، والليلة تسأل نفسها ماذا لو كانت أما للأطفال الخمسة الذين تساءل عامل المرفأ بمرارة باكية كيف يطعمهم.
بالونة وحكاية: يجتمعون بعد الموت يروون قصص موتهم، امرأة ماتت في حادث سير، وشجرة نخرتها الديدان بعد سنوات من عمرها، وثمرة خوخ سحقت تحت عجلة سيارة، الطفل سأل عن جائزة أفضل حكاية، قالوا إن الجائزة هي العودة إلى الأرض يومين، فرفض المشاركة في المسابقة (ليت القصة انتهت هنا) قال قصته في كلمتين “قتلتني الكوليرا”
ولكني أجزم أن قصة مصارعة الثيران هي احتجاج واضح وصريح على تلك الرياضة القاسية، وأما “رغبة” فعن حرب الشوارع التي تدور كل يوم في مدننا وطرقنا، ماذا فعلت بنا السيارات غير الحوادث والموت والإعاقة والهدر؟
اسمان: تسميها أمها جمانة واسمها كما أراد أبوها وسجلها في الأحوال المدنية غادة، الجميع ينادونها جمانة، وأما غادة اسمها “الرسمي” فهو اسم صديقة أبيها.
الحقل، هل بالفعل قصة عن دجاجة تراقب التعويض الذي تلقاه صاحب المزرعة بعد الغارات على بيته، .. وتواجه الموت في الحقل، أم هي تبدو غير ذلك عندما يصيح أحد القتلة بعد مقتل الدجاج قائلا:”الحقل آمن الآن،.. تقدموا”
غاردينينا: زهرة غاردينيا تشعر بالغضب لأن الفتاة تقطفها لتلقي بها إلى البائع الذي أحبته، وعندما وشى بها الجار حبسها والداها في البيت، أحسست لأول مرة كم أنا محظوظة لأنني لست من البشر، ولم تعد تظهر إلا بعد أن غادر البائع مكانه على نحو غامض.
نحيب: الذكور تغني على ضفة البحيرة بانتظار الإناث، والذكور يتصارعون، وصنانير الصيد تلتهمهم، فيتحول الغناء إلى نحيب.
اللوحة: سائق التاكسي ينقل زبونا إلى برح الساحة، تكون مظاهرة، يقع ضحية صورة التقطها رجل من المخلصين للوطن بكاميرا رخيصة، لم يعد إلى بيته ذلك المساء، وبقي عشرين سنة غائبا.
ليلة القدر: تعود ليلة القدر كل عام ويكون الفقراء قد تضاعفوا، وصار قميص الصبية ضيقا فأورثته أختها الصغرى.
لست ناقدا أدبيا، ولكني قارئ أدهشته المجموعة على نحو يجعلها في مصاف الأعمال الأدبية العظيمة.
شرفة بعيدة .. تنتظر/ بسمة الخطيب
بيروت، دار الآداب، 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























