جريمة ربط التأمين بالمخالفات
كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 12 شباط 2009 الساعة: 18:10 م
إبراهيم غرايبة
ربط أقساط التأمين بالمخالفات التي يرتكبها السائق جريمة ترتكبها الحكومة وشركات التأمين معا بحق المواطن، وتمثل تغولا من الشركات على المواطن والدستور وولاية مجلس الوزراء، فليس من حق أحد أن يفرض غرامة على المواطن أو يعاقبه سوى القضاء أو ضمن الأنظمة التشريعية التي تعبر عن سيادة القانون والدولة، وتفويض الشركات لتعاقب المواطن الذي تلقى أصلا العقوبة ودفع المخالفة ليعاقب مرة أخرى يمثل جريمة مزدوجة بحق المواطن، جريمة معاقبته أكثر من مرة على جريمة واحدة، ثم معاقبته على يد شركات وليس الأجهزة القضائية والتنفيذية المختصة والمفوضة بالدستور.
إننا نقرأ في إعلانات التبليغ الصادرة عن المحاكم قرارات بغرامة قدرها ثلاثون دينارا، هذه المخالفة احتاجت اجراءات قضائية وتنفيذية طويلة ومعقدة، فكيف يترك لشركات تجارية واستثمارية وبعضها شركات أجنبية مع دخولنا في منظمة التجارة العالمية بمعاقبة المواطنين ومحاسبتهم؟
هذا التحالف بين السلطة التنفيذية والقطاع الخاص مخالف لقانون الطبيعة ومنطق الحياة، فالمفروض أن تكون الحكومة التي يمولها المواطن والتي يمنحها المصداقية والشرعية هي وكيل عنه لتحقيق مصالحه وحمايته، ولكننا نحول المشهد إلى مواجهة ساحقة لا تكافؤ فيها بين المواطن الغلبان ودافع الضرائب والملتزم بمواطنته وبين الحكومة وأجهزتها التنفيذية والشركات التجارية، ونحول المجتمع إلى حالة من الإقطاع الفظيع والمتوحش، ونحول رجال الأعمال والتجار إلى حكام وإقطاعيين لا يتحكمون فقط بقوت المواطن ومدخراته وإنما أيضا بمصيره وحياته.
قانون السير والمخالفات هو ابتداء متشدد بل ويبالغ في العقوبة، وتقوم دوريات الأمن بعمليات مبالغ فيها أيضا في التعقب والملاحقة والكمائن والترصد للسائقين، وتلبسهم مخالفات وهمية لم يرتكبوها (والله العظيم) وتكرر المخالفات وتلزمهم بدفعها أكثر من مرة، وهذا حدث معي شخصيا، وحدث مع مواطنين آخرين، ولا بد أنه ظاهرة عامة، ولا يحتاج الأمر إلى زيادة في العقوبة والتشدد.
وبعكس ما يراد لنا أن نفهم فإن التشدد في العقوبة والغرامات لن يؤدي كما يوهمنا البعض بتخفيف المخالفات وحوادث المرور، ولكنه سيؤدي إلى مزيد من الفساد وفرص الرشوة، ومن المعروف في التاريخ والجغرافيا أن التشدد في العقوبات والأنظمة يؤدي دائما إلى الفساد، فإذا كانت المخالفة بمائة دينار على سبيل المثال فإنه سيكون منطقيا أن يقدم المخالف رشوة بخمسين دينارا، فيوفر خمسين دينارا، وتكون الرشوة أيضا مغرية، ولكنها إذا كانت عشرة دنانير فهي مخالفة لا تصلح أن تكون رشوة، ولا تجعل المخالف يفكر بالتحايل أو التهرب.
نقرأ قوائم التبليغ الصادرة عن المحاكم ونجدها تكاد تقتصر على الأفراد والمواطنين العاديين، ولا نلاحظ حكما بحق شركات تنفذ الخدمات والشوارع والأبنية مخالفة المواصفات أو تأخرت في التسليم، أو تسببت في إتلاف وتدمير المرافق العامة وإيذاء المواطنين، أو عقودا وعطاءات حصل عليها أصحابها مخالفين للقوانين وعدالة التنافس، أو توظيفات قامت بها الحكومة والشركات والبنوك بعيدا عن المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص أو فصلا تعسفيا لمواطنين، هل تقوم شركات التأمين بالتزاماتها المطلوبة منها في العقود التي تبرمها مع المواطنين؟ هل تجري محاسبتها ومحاكمتها؟ يتحدث المواطنون بالجملة عن قصص الغش والتقصير في الحصول على حقوقهم بل وتحول الحوادث إلى أرباح مضاعفة للشركات، ونتمنى أن نسمع أن هناك من هو في صف المواطن في مواجهة الاستغلال والظلم والاقتطاع المتزايد للضرائب والغرامات، ونتمنى تصحيح الفكرة السائدة بأنه يجري تحميل الطرف الأضعف العبء الأكبر، وأنه يحمى ويساعد الطريق الأقوى، وبصراحة فإن هذا الواقع يحول المجتمعات إلى طبقات تحمل نحو بعضها العداء والحسد، وليس هذا أبدا يخدم التماسك الاجتماعي الذي نحتاج إليه جميعا، بما في ذلك شركات التأمين نفسها، لأنها ستتحول إذا استمرت هذه الحالة إلى شركات لتجهيز الجنائز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























