مدد مدد ياسيدي التلفزيون

كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 23 كانون الثاني 2009 الساعة: 06:10 ص

إبراهيم غرايبة

يتجمع الأبطال على شاشات الفضائيات، يقاومون، يستشهدون، ينتصرون، الشهيد والبطل هو من يظهر على الشاشة، ومن ليس في الشاشة فهو ليس مجاهدا، ليس موجودا بل مرة، كأن الأثير هو ساحة النضال والقتال والشهادة والتسوية أيضا وليس الأرض، ولا المكان الثقيل البطيء في حركته، والبليد في رؤيته وأحلامه، يختار التلفزيون الأبطال والشهداء، يصطفيهم، فيتجمعون في أفيائه، يهدورن أمام الكاميرا، ثم يخلدون إلى فنادقهم ومجدهم وشللهم، لا يحزنون إذا حزن الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، وأما أولئك المطرودون من رحمة التلفزيون، فليسوا مقاومة ولا أبطالا، ولعلهم عملاء لإسرائيل، والسي آي إيه، نتجمع في المجالس والعزاءات والأفراح معجبين بالأبطال الذين شتموا إسرائيل ومجدوا المقاومة على الشاشات، وكأنهم تسللوا من الأنفاق بلمح البصر ليصلوا الى الشاشات ثم يعودون ليشاركوا كتائب القسام والأقصى، وليفجروا الدبابات ويسعفوا الجرحى ويوصلون الطعام والدواء، يا لروعة هذا الجهاد، وما ألذ هذا الجمر الذي يقبضون عليه! وهنيئا لهم رحمة التلفزيون التي شملهم بها.

هذه الجموع الهادرة والتحليلات الفضائية والكتابات العجائبية كأنها لا تعبر عن مواقف ورؤية وأفكار تؤمن بها، ولكنها تعبر عن هواجسها ومشاعرها العميقة، ومصالح معقدة ملتبسة، سوف تتوقف أعمال بمليارات الدولارات لو اعترفنا بالعبث والكذب على أنفسنا، لنتخيل ما مصير الفضائيات والمكاتب والصحف والمؤتمرات والكوادر والجماعات والقيادات لو تذكر الطباخون أنفسهم أن ما في القدر ليس سوى الحجارة، وأنهم وضعوا الحجارة بأنفسهم، سيقتلون من يذكرونهم بما يعرفونه تماما، لم يكن الفشل في يوم من الأيام غباء، العكس فهو أكثر عبقرية من النجاح، وأقدر على البقاء والتطور واستيعاب التقدم العلمي والتقني، وفهم سنن الكون والحياة وتوظيفها في التخلف والفشل، ليست هذه الحشود جموعا مندفعة وراء عاطفتها ولا تعرف الحقيقة، أو أنها تنقصها المعرفة، أو هي عاجزة عن التحليل، ولكنها منظومة ذكية من المصالح والأهواء والرغبات والحيل، ولكن السؤال كيف يجد كل واحد السلام والانسجام، وكيف يتعامل كل واحد مع رفيقه الذي يراه كلما نظر في المرآة، وماذا يفعل تجاه الطفل الذي في أعماقه.

الناس يصدقون ما يريدونه ويرغبون فيه، ويبذلون في سبيل ذلك طاقة هائلة في تنظيم أنفسهم ومشاعرهم وأفكارهم، ولكل واحد منهم قصته الخاصة به، والتي يخفيها في أعماقه ولا يبوح بها، هؤلاء الذين يصرخون في المظاهرات والفضائيات والاجتماعات والجماعات، إنما يفعلون ذلك ليؤكدوا أنهم لا يعرفون، يحاولون بتطرفهم وولائهم وسلوكهم الدائم أن يؤكدوا بأنهم ليسوا مختلفين في شيء وأنهم لا يعرفون شيئا عن ذلك الشيء الذي يعرفه الجميع، وكلما عادوا إلى بيوتهم ونظروا في المرآة يتأكدون أنهم لا يعرفون شيئا مختلفا، أن أحدا لم يشك بأنهم يعرفون شيئا، تلك التسويات الطويلة والمعقدة مع الذات والمجموع تمنح الأمان والرضا، هؤلاء الذين تراهم بعشرات ومئات الآلاف في المواقف والمظاهرات والأفكار والتعصب والمواجهة والرفض يبحثون عن الأمان والرضا، وكلما فشلوا تحولوا إلى أعداء للحياة! Roman', 'serif'">

التدين الأعوج والسلوك العجيب والتطرف والبكاء والهتاف والقسوة والتظاهر واستحضار وتصوير وروايات البطولة والكرامة والمعجزات، كل ما ليس عاديا أو طبيعيا يعبر عن قصة يمكن اكتشافها، وفي علم النفس والإرشاد النفسي والاجتماعي تكون كل هذه الحالات والقصص مصدرا لفهم المرض، وفي جلسات العلاج تستمع إلى الناس فقط فتعرف أمراضهم، كأن العلاج القائم على هذا التحليل هو “فن الإصغاء”.

رحم الله أمل دنقل، لو كان مازال حيا، لكتب بدلا من قصيدته “أبانا الذي في المباحث، نحن رعاياك” أبانا الذي في التلفزيون، ولوجد أن الصمت هو المقاومة، وليس العكس.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “مدد مدد ياسيدي التلفزيون”

  1. الى الامام يا ابراهيم ستذكرك الأيام والأجيال القادمة عندما تفيق اللحظات من السكرة وتعود إلى الفكرة

    سيذكرك طلاب الحقيقة حتى وإن قلوا كما يذكرون الأنبياء والفلاسفة الآن

    كما يقول كثير من أبناء الشعب الإيراني لو ظهر المهدي لقتله الثوريون الإيرانيون لأنه سيحرمهم مصدر رزقهم وكسبهم وكذلك أقول لو جاء من يفني الغسرائيليين عن الوجود لرفضت بعض الفصائل (المناضلة )! لأنهم سيصبحون عاطلين عن العمل

  2. الى الامام يا ابراهيم ستذكرك الأيام والأجيال القادمة عندما تفيق اللحظات من السكرة وتعود إلى الفكرة

    سيذكرك طلاب الحقيقة حتى وإن قلوا كما يذكرون الأنبياء والفلاسفة الآن

    كما يقول كثير من أبناء الشعب الإيراني لو ظهر المهدي لقتله الثوريون الإيرانيون لأنه سيحرمهم مصدر رزقهم وكسبهم وكذلك أقول لو جاء من يفني الإسرائيليين عن الوجود لرفضت بعض الفصائل (المناضلة )! لأنهم سيصبحون عاطلين عن العمل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر