التلفزيون يشاهدنا
كتبهاIbrahim Gharaibeh ، في 20 كانون الثاني 2009 الساعة: 07:27 ص
إبراهيم غرايبة
هل تعكس الصورة التلفزيونية مشهدا واقعيا؟ هل تنقل الصور التلفزيونية التي نشاهدها واقعا أو حدثا أو مشهدا حقيقيا، أم أنها تصطنع المشاهد؟ لماذا تتعدد الوقائع والمشاهد بتعدد التلفزيونات؟ التلفزيون ليس مرآة، ولكنه كائن تطور لينفصل عن قصته الأولى المرآة ليصبح كائنا حقيقيا، يشاهدنا، يمشهدنا، يشكلنا، مثل روبوت بدأ آلة ثم صار يقتبس ويتعلم من الذكاء والمهارات والعلاقات والعواطف ما يجعله كائنا مستقلا بذاته، قصة التلفزيون تشبه قصة الرموز الدينية التي صيغت لاستيعاب معنى الألوهية والتواصل مع الإله ثم غيرت/ شوهت/ حجبت المعنى الأصلي والحقيقة العميقة المفترض أن تعبر عنها، ثم حجبت غياب الحقيقة العميقة، لم يعد أحد يعرف أن ثمة حقيقة عميقة مغيبة، ثم أصبحت الرموز نفسها آلهة مستقلة عن الحقيقة التي أنشأتها، أصبحت هي الإله، هكذا هي قصة بعل وفينوس وهداد وأيل وأشمون ويارا وسين وزيوس، …
المشهد الذي يعد لأجل الكاميرا، التحول الفوري في السلوك والنظرة والانفعال بمجرد اتجاه الكاميرا نحو المشهد، هذه البعد واقعية ماذا فعلت بنا؟ ماذا فعلت بالعالم؟ هذا الواقع الافتراضي الذي تسعى وراءه الأنشطة المختلفة كما نشاهد في التفاعل مع حرب غزة على سبيل المثال ينشئ عالما جديدا مستقلا عن الواقع الحقيقي، ففي حين تخوض غزة حربا مع المعتدين، ننشئ في كل مكان مسرحنا الخاص بالحرب، نحرق الأعلام نحفر القبور وندفن الشهداء، حتى المظاهرات فيمكن أن تكون افتراضية، ويجري موقع الإسلام أون لاين مظاهرات وتجمعات وحروب على الموقع سكند لايف يمكن أن نتبرع وننتقم وندمر، نهتف ونبكي وننتصر، تلفزيون الواقع، هل هو واقع التلفزيون أم واقع الأرض المفترض أن يبثه التلفزيون؟ يقول جون بودريار: إنه ليس الواقع المنظور، وليس الواقع الذي تعكسه مرآة، فعدسة التلفزيون ليست نظرا مطلقا في الكون والحياة والأحداث، ولكن ثمة تعارض/ تلاعب بين النظر والمنظور، أنتم لا تشاهدون التلفزيون، هو الذي يشاهدكم فليس التلفزيون وسيطا بيننا وبين المشهد الغائب عنا ونريد رؤيته، أو بعبارة أقرب إلى الصواب ليس وسيطا المعنى الحرفي، هذا التدخل للوسيط، وحضوره الوبائي والمزمن والمرعب هو ذوبان للحياة في التلفزيون، وذوبان للتلفزيون في الحياة، نحن جميعا مثل عائلة لود (العائلة التي كانت تبث حياتها اليومية على نحو دائم في التلفزيون، محكوم علينا بفيض وسائل الإعلام ونماذجها وضغطه وابتزازها، بل وبتشكلنا بها، وتغلغلها فينا، وبعنفها غير المقروء
هذا التدفق الهائل للمعلومات، الصور والأخبار والأصوات يضيع المعنى، كأننا كسبنا المعلومات وخسرنا المعنى، كأن الإعلام يدمر المعنى أو يزيله، كأن الأحداث والوقائع نفسها مجرد سديم من الرموز والأرقام، أو كأن التلفزيون في تشفيره للمشاهد وتحويلها إلى رموز وأرقام (صفر وواحد) ثم إعادة تشكيلها تفعل على طريقة (إي.دي.إن) فتتغلغل في الناس وتشكلهم، هل الرسالة التي صدرت عن وسائل الإعلام هي الرسالة التي استقبلها المتلقي، أم أنها رموز وشيفرات تعمل على نحو أقرب إلى الفوضى والصدفة، الفوضى والصدفة بمعنى عدم اكتشاف القواعد المنظمة لها، لأن ما لا نعرفه نسميه فوضى.
كأن التلفزيون أداة ضبط وتوجيه وتلقي وقمع هائلة وفعالة، مثل كلب الراعي، مثل الكبش المرياع الذي يقود القطيع، قائمة يومية ومتواصلة من التعليمات والتوجيهات التي نتلقاها لنطبقها، أو هي اكتساب اللاوعي الذي يقود باتجاه ومتطلبات من الضبط والتشكيل الواعي والمقصود، .. الوعي يبدأ بمقاطعة التلفزيون ووسائل الإعلام، أن يشكل المرء ذاته ومواقفه بنفسه، ينظر إلى ما حوله بعينه وليس بواسطة الميديا، يكتشف قدرته على التعلم والإصغاء، فالإصغاء فقط هو مصدر التحليل والفهم، ولذلك فإن إريك فروم أحد أهم علماء النفس يسمي علم التحليل النفسي فن الإصغاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























