إبراهيم غرايبة
تثير سلسلة الدراسات التي نشرتها مؤخرا دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب إشكالية جديدة في المصطلحات الإسلامية، تضيف تطبيقات أخرى إلى مصطلحات سابقة مثل الإسلام السياسي والإسلام الجهادي والإسلام الاجتماعي، فهناك أيضا إسلام المجددين وإسلام المدينة وإسلام العصور المتأخرة والإسلام الأسود، وقد أثار المصطلح الأخير -عندما عرضت كتابا بهذا العنوان- تعليقات كثيرة فوق العادة، ولكن المؤلف يقصد الإسلام الإفريقي .
والواقع أن نسبة موضوع أو مكان إلى الإسلام مثل الإسلام السياسي أو الإسلام العربي هو أسلوب اتبع مؤخرا مع تزايد الاهتمام بالإسلام، وربما يكون خطأ أو صوابا، لكنه يعني الحالة الإسلامية أو النموذج الإسلامي في السياسية أو في التجديد أو في إفريقيا أو أوروبا وهكذا. ربما يكون المصطلح ملتبسا باعتباره يشير إلى الإسلام الدين المنزل، ولكن الاستخدام انتشر كثيرا لدرجة أنه أصبح مفهوما ولم تعد ثمة حاجة لتوضيح أن نسبة موضوع أو مكان أو تطبيق أو تجربة إلى الإسلام لا تعني أكثر من إسلام، ولكنها تجارب وتطبيقات مختلفة أو متخصصة.
في كتاب الإسلام «الأسود» يعرض المؤلف الأستاذ محمد شقرون لحركة الإسلام وانتشاره جنوب الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا عبر التاريخ وحتى الوقت الحاضر، وهي منطقة شهدت إسلاما لا يعتمد على العقيدة في حد ذاتها، بقدر ما يعتمد على الممارسة الدينية ومظاهر التدين المتمثلة خاصة في التظاهرات الجماعية، ولكن الإسلام منح الأفارقة شعورا جديدا بالهوية والذات ساعد كثيرا في مقاومة الاحتلال وفي بناء الشخصية الوطنية، وهذا ما يجعل التجربة تستحق تسمية الإسلام الإفريقي.
وتختلف هذه المظاهر من شعب إلى آخر-وبحسب الموروث الثقافي الذي كان سائدا قبل الإسلام- والأوضاع السياسية للمسلمين ونظرتهم إلى الآخر وردود فعلهم على التحديات التي تطرحها عليهم المتغيرات العالمية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لم تتعرب إفريقيا جنوب الصحراء، بل حافظت على لغاتها وتنظيماتها القبلية، ولم تنشأ فيها دول تفرض نظما إدارية عربية على غرار ما حدث شمال إفريقيا، حيث استقرت جاليات عربية وأسست دولا لا تختلف في جوهرها عن دول منطقة الشرق الأوسط.
فلم تقم دول عربية بالمنطقة ولم تحاول الدول التي قامت فيها -وكان حكامها مسلمين- فرض الدين واللغة، ربما يكون مرد ذلك إلى تزامن قدوم الإسلام مع الاستعمار الأوروبي الذي تمكن من إيقاف عملية نشر الثقافة العربية الإسلامية. وكذلك الشأن بالنسبة للمنطقة الشرقية من القارة الإفريقية، فإنها لم تتعرب لعدم وجود هجرة عربية واسعة إليها، ولعدم قيام دولة قوية فيها تسهم في نشر الإسلام بين الشعوب بعيدا عن السواحل وتنشر اللغة والثقافة العربيتين، وكذلك لعدم ظهور حركات جهاد كبرى يقوم بها شيوخ الطرق مثلما حصل في المنطقة الغربية بقيادة شيوخ القادرية والتيجانية.
ومن الملاحظ أن ناشري الإسلام في إفريقيا لم يكونوا من العرب أصلا ولا من العلماء، ولم يستقروا طويلا، واحتفظ الملوك البربر ببعض العادات التي كانت سائدة بينهم قبل إسلامهم وهي سائدة بين شعوب المنطقة، مثل عدم التقيد بعدد الزوجات الشرعي، ولم يشجعوا نشر علوم الدين واللغة العربية مما ترك المجال واسعا لبقاء العادات القديمة.
فقد انتشر الإسلام في المنطقة، لكن دون أن يعمها ودون أن تظهر آثار انتشاره على سكانها الأصليين لعدم ظهور مراكز للتعليم ذات أهمية، رغم أنه كان انتشارا واسعا جدا في عهد المرابطين وظهور مراكز علمية وصلت إلى مستوى من الشهرة مثل فاس والقيروان وقرطبة وغيرها، لكنهم انشغلوا بترتيب أمر المغرب ومقارعة الإسبان وملوك الأندلس، وتركوا أمر السودان يدبره أهلها الذين خضعوا لسلطتهم مع المحافظة على عادات المنطقة ولغاتها.
كتبها Ibrahim Gharaibeh في 08:37 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: Ibrahim Gharaibeh
