بقلم د. محمد الأحمري
الصوت رواية
إبراهيم غرايبة، دار سيرين، عمان الأردن، 2007، 125 صفحة
عندما أهداني الأستاذ إبراهيم غرايبة روايته الصوت قال: هذه رواية وقد لا تكون، أحب أن أسمع رأيك فيها. حاولت قراءتها، ثم شغلت عنها، وعدت لها مرة أخرى، وبعد صفحات يسيرة وجدت أن القراءة لها مجدية، وأني أنساق وراء هذا الكتاب التأملي، الذي فيه من الرواية، ويصعب أن نقول عنه رواية، كما يصعب أن نخالف كاتبه فيما أحب أن يكون كتابه. وما دامت الرواية ليس لها من نمط مرعي فليتسع المقام لأن يكتب إبراهيم تأملاته تلك وليسمّها كما أحب رواية، وقد وجدته نصا ممتعا ومفيدا، أكاد أنسى أنه نص أدبي وأفكر في الرد والحوار مع بعض أفكاره، لأنني عرفت المؤلف كاتب رأي سياسي لا روائيا، ولأن النص يستثيرك للخلاف مرة وللاتفاق أخرى.
والكتاب الرواية، تأملات ساقها المؤلف على لسان كريم وسلمى، شخصيتان من بلدة واحدة في الأردن، يلتقيان بقرب فندق يوفر خدمة الاتصال بالانترنت لسكانه مجانا، ولمن يلوذ بجوار الفندق، يجد كريم نفسه مستفيدا من هذه الخدمة المجانية، وتهاجر سلمى كما قالت لكريم إلى أستراليا، ويلتقي بها على الإنترنت ويتحادثان، عن البلد وعن الغربة والهجرة.
في الرواية، تبدأ شخصية الكاتب الذي تعود أن يتحدث عن الأفكار ويعرض الكتب، صنعة صاحبنا في الصحافة تقتحم عليه الرواية بوعي أو بدونه، ولتكن كذلك فقد كانت جولة ممتعة مع عدد من الكتب عرضها الراوي، ولم يخادع القارئ ولم يوهمه أنه يعرض بنات أفكاره، ولكنك تجد رأيه وموقفه ما بين مقطع وآخر، وينجح في هذا وتعجب لقدرته ومزجه واستخلاصه.
ففي الفصل الثاني من الرواية عن السماع ودوره في المعرفة والفهم، يطربك للسماع ودوره في التعليم ويعيدك للحوار وقيمته، ويجمع الشواهد من كتب قرأها ومن القرآن ومن ملاحظاته، ومن أثر السماع، حتى قلت لعله قرأ أقساما من كتاب: تاريخ القراءة، ولكنه يسند الكثير مما كتب عن السماع لكتاب: الصوت بوابة الكون، لمؤلفته ساميا سندري، فرنسية من أصل لبناني، يقول عن الكتاب: وقد أعطتني قراءة الكتاب أكثر بكثير مما أرادت المؤلفة، فهي تعتبر أن الحضارات الأولى حضارات النطق، أو الكلام.
يقول عن الكلام والسماع: يجب أن نقول لنسمع أنفسنا أولا، وعن الكتابة ينصح شابا ريفيا تداهمه نوبات من الحزن والصمت، فينصحه بالكتابة: أكتب، رسالة لصديق ولا ترسلها، أكتب فقط ففي الكتابة شفاء، نحن نكتب لأجل أنفسنا، ولكن عندما تتشكل الكلمة لا تعود ملكنا ولا ندري إلى أين تمضي.
ثقافة إبراهيم الإسلامية أغنت النص، وزرعت فيه غروسا مثمرة لغة وفكرة، تلمحها مابين مرة وأخرى، وتعقيباته على الآيات تعجبك، وجمعه لها، وكان السماع في الآيات حكمة في: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومعرفة في: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وحفظا وأمانا في: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى.
ويتحدث في فصل آخر عن الهجرة والغربة ويجيد القول، وكان ما يحل بنفس المهاجر، وضعف اندماجه، وعقلية المهاجر التي تعفي نفسها عن المسؤلية الاجتماعية بسبب ضعف الجذور في البلد الجديد، أو الاغتراب الحقيقي والمستمر في مجتمعات الهجرة، ويلمس نفس المغترب الذي يخشى الاستقرار والشعور بأن الرحلة قد انتهت، وأن الاستقرار تم، فتشعر نفس المغترب بالخوف من التوافق والتكيف التام أو النهائي مع المكان الجديد. وقد أحسن في ملاحظة عيوب المهاجر العربي في بلدان أخرى تقبّل المهاجر جزءا منها ولكنه لا يقبل هو قراره الذي قرره، ولا يقبل مساهمته في حياة المكان الذي اختار الهجرة إليه، وهذه المفارقة عميقة للمهاجرين العرب والمسلمين في بلدان عديدة.
تسيطر الأفكار لا الأحداث ولا الصور على حيز كبير من الرواية، فهو يتحدث للفتاة عن تبدل أساليب النظر للأشياء فليس مهما أن يكون لديك منتجا هو الكرسي، ولكن المهم كيف تم صنعه، ومستوى الجمال فيه، كأن الجمال هو المورد الذي يتنافس عليه الناس، ص 14.
هناك مفاهيم وقيم يسعى الراوي إلى إقناعنا بأنها بائدة، أو ستبيد كالكرم وإطعام الطعام لأنها قيم لمجتمع الزراعة والرعي والقوافل والباحثين عن الأمن الذين يقدمون الضيف على أهل البيت، بينما للمجتمع الحديث قيم أخرى، وقد تجد نفسك في اتفاق جزئي مع الكاتب، وتجد أنك بحاجة إلى أن تشير بالتخفيف من الإمعان في الفكرة، فبعض القيم كالكرم وإطعام الطعام والبخل واللؤم قيم تتلون وتلبس لباسا آخر بحسب الحال ولا تغيب، وهنا نسيت أنها رواية وبدأت أرد على أفكاره، فليكن فهذا من حسنات هذا النص أنك لا تحب أن تمر عليه دون تفكير في بعض قضاياه!
صاحبنا كاتب الرواية مثقف لا يخلفك بل يحذيك من قراءاته ومن شهوات المثقفين في تسقط بعضهم أخبار وطرائق بعض، فتستمع إليه حاكيا عن علي عزت بيقوفتش، وعن نصائحه وقراءاته، ينقل عنه: كنت أشعر بأن حالتي تسوء عندما أتغذى جيدا، والجوع يساعدني دائما أفضل.. لأن الفراغ في الروح وامتلاء المعدة هي من أسوأ الاختلاطات ص 107.
وللكاتب لفتات تستحق النقل هنا مثل: ليس لنا خيار لنا سوى أن نعمل، ونحاول فنحن لا نملك ترف الاكتئاب والانتظار ص117 كلمة جميلة، وكانت ستكون أجمل لو سلمت من كلمة: لنا المكررة، فقد كانت برهان استعجال في النشر، ربما لم تحظ الرواية حتى بمراجعة محرر.
وفي هذه الرواية أنت أمام الصحفي والمثقف الذي لا تغيب مهنته عن رأسه في أعطاف الرواية، فقد كان صاحبنا مهموما بهذه المشاريع الصحفية الكتابية الجادة في لحظتها، تلك التي تأخذه بعيدا عن الفن وعن الكتابة المتأنية، فينشر بسرعة ما لم يأخذ وقتا له ليصلحه ويصوبه ويصقله، فيبقى النتاج العجل هماً وثقلا قبل الكتابة وبعدها، ولكنه لا يقبل لومك؛ يقول لك إنه وجد حلا لمشكلته في بعض مقروآته؛ ويحدث كثيرا أن تمنحنا عبارة نقرؤها منهجا يغير فينا أكثر بكثير مما يظن صاحبها، وقرأت مرة نصف بيت من الشعر غير حياتي: (تستصلح السفن وهي مبحرة)، ووجدت أني كنت أعاني من مرض التأجيل بسبب التحضير الطويل لأعمال يجب أن تبدأ قوية وكاملة، وإنني مصاب بهاجس الكمال، وكنت أظن أن ذلك أمرا جيدا أعتز به، ولكنني وجدته مرضا وعيبا يجب التخلص منه، فالتحضير والتطوير عملية مستمرة ترافق العمل دائما في حلقة ثلاثية غير منتهية، من التراكم والاستيعاب والإبداع الذي يتحول فورا إلى تراكم يجري استيعابه من جديد لأجل إبداع آخر، وليس خطا من التراكم والاستيعاب الذي يوصل إلى الإبداع المنقطع عما سبقه. جعلتني تلك القراءات أكوّن فكرة في نفسي ولنفسي أيضا وسأعرضها عليك ولعلك تشاركني في اختبارها؛ الإنسان يدرب ملكاته الفكرية والروحية والعقلية ويطورها تماما كما يدرب جسمه وعضلاته.. وإذا لم تطور الملكات والاستعدادات الروحية والعقلية فإنها تضمر..، ص 49.
كما رأيت من السياق تجد في الرواية أفكار ونصائح وآراء، ولكن المقطع السابق مثلا لم أحذف منه أحداثا، ولا صورا بيانية، وقد نفذ كاتب الرواية فكرته هذه في الرواية بحذافيرها فما يستصلح سفينته هذه التي كاد يغرقنا في الكلام العادي والنصائح النثرية العامة عن أننا نقرأ رواية! و الطريف أنه هو كان أول نقاد عمله في هذا الجانب، هنا أيها العزيز يكمن خطر الكتب على الكتاب، كنا نريدك فنانا قد أنجزت صناعة سفينتك قبل أن تصل للمبحرين، فلم يبق إلا لمسات قليلة.
عندما جاوزت ربع الرواية الأول، وجدت نفسي أنساق مع الرواية بسلاسة، إما بسبب المعلومات والحكم والملاحظات، التي تجعل القارئ يقرأ ويستمر مستمتعا بفكرة مثيرة، أو فائدة عابرة، أكثر منه مستغرقا فيما جرى العرف بأنه أحداث رواية، لها طقوسها أو سُلومُها القليلة، وسلوم الرواية أحيانا هي اختفاء تلك السلوم، وسقوط القوانين إلا قانون واحد، أن تجعلننا نعيش مع مخلوقات أو مصنوعات الكاتب الغريبة، باستمتاع وملاحقة لما يحدثون وما يحدث لهم.
وتستمر المحادثة عن بعد على الكومبيوتر نحو عام، وبعد عام يكتشف كريم أن سلمى لم تسافر، ولم تبتعد، بل هي على صخرة مجاورة له بقرب الفندق، هذه المفاجأة الرابطة القريبة من نوع حبكات القصص القصيرة، وربما كانت أنسب لقصة قصيرة منها لرواية توحي بأنها بعيدة المدى زمانا ومكانا.
شخصيات الرواية، كادت أن تموت وأن تغيب، ولكن الكاتب عوضنا عنهم بكتابة مفيدة متنوعة، فهي نص أغنانا عن الرواية.
ولكن عليك، مهما قدم لك الكاتب من نصائح الاستصلاح والسفينة مبحرة، أن تتأكد من سلامته واكتماله قبل الإبحار، وأن للفن الرفيع شروطه النكدة، تلك التي جعلت همنجواي يهرب من الصحافة، ليجد وقتا لكتابة مبدعة، ولعلك يا صاحبي في روايتك هذه قد عانيت من صناعة الشخصيات ما لم تذق من معاناة في كتاباتك للصحافة، إنها إبداع متعب تحتاج برودة وفراغا وصبرا على المصنوعات المزعجة.
إنه نص مفيد مثير للتفكير، وقد أبلغنا النص صوته وفكرته، فإنه وإن قتل مخلوقاته في الطريق، لكنه نجح في إيصال عدد كبير من التأملات الفكرية عبر الفن، فغلبته أفكاره على فنه، ولعلها جاءت المتعة من حيث لم يحتسب.
كتبها Ibrahim Gharaibeh في 10:24 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: Ibrahim Gharaibeh
