إبراهيم غرايبة
يشعر وائل اليوم بأنه بحاجة إلى النهر أكثر من أي يوم مضى، برغم أنه فقد الكثير من معناه، لم يعد نهرا، ليس أكثر من واد تجري فيه مياه مالحة وملوثة، ولم يعد للمدن التي نشأت حوله ولا للناس علاقة به، ولم تعد كل القصص والروايات المتصلة به تعني شيئا، اختفى وكأن الحضارات والمدن التي قامت حوله، واستمدت وجودها منه اختفت هي الأخرى، ربما يتحدث عنها المؤرخون والرواة بعد ألف سنة بأنها غرقت مثل أتلانتس، ولم تعد سوى قصص غامضة بلا دليل ولا معنى، أو تتحول إلى أسطورة يختلف الناس في فهمها.
كانت السيارة الليموزين السوداء تهبط من الجبال الشاهقة والمطلة على نهر اليرموك وبحيرة طبريا كأنها مركبة فضائية يستكشف أصحابها كوكبا جديدا، ويعيدون اكتشاف أنفسهم أيضا، ويسألون أنفسهم بصمت وحذر، من هم؟
عندما كانا يتمشيان معا في واحة «الأزرق» سألته أوريت، وبينهما حفيدتهما سارة تمسك بيديهما معا إن كان ما زال يتمنى أن يزور في يوم واحد جبل الشيخ والجولان وطبريا ثم أم قيس وبيت رأس إلى الأزرق، كما كان يفعل الرحالة مثل ذلك في يوم واحد.
- ولكنا سنفعل العكس نبدأ من الأزرق إلى أن نصل إلى جبل الشيخ، وباستخدام الليموزين وليس على ظهر الخيل مثل بيركهارت!
- مازلت تتذكرين برغم مرور ثلاثين سنة!
كانا يلتقيان في الجامعة كل يوم تقريبا في منتصف السبعينيات، تفرقهما الصراعات، فهو عربي وهي إسرائيلية، وهو مسلم وهي يهودية، ويجمع بينهما حبهما للتاريخ وانتماء غامض لحضارة يعتقدان أنها واحدة، وأمها العراقية، والتي كانت موسوعة في التاريخ والمطبخ العراقي والمقامات، كأن الولايات المتحدة الأميركية وجامعة جورج واشنطن واحة يلتقي فيها بسلام المتحاربون والأعداء، ثم يعودون إلى حروبهم وعداوتهم، يحدثها عن نهر الأردن والأراميين والأماكن والقصص، وتحدثه عن الهوية والفنون والوجودية وقلق السؤال والإجابة.
طلبت منه يوما أن يدعوها إلى منسف في بيته، فأخبرها أنه سيحاول أن يعد لها المنسف لأن زوجته الأميركية لم تعش في الأردن سوى سنة واحدة، فدعته هي إلى بيت أمها المقيمة في الولايات المتحدة، فقد هاجرت من إسرائيل وفضلت أن تعيش في أميركا إذ كانت عاجزة عن العودة إلى العراق، وفي مقابل ذلك فقد دعاها إلى مطعم مغربي.
وعملت أوريت بعد تخرجها في العمل السياسي في إسرائيل، كانت ناشطة في حزب العمل وانتخبت نائبا في الكنيست وشغلت مناصب مهمة، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد ربع قرن لتعيش مع ابنتها داليا التي تخرجت من واشنطن وفضلت أن تعيش هناك، ولتجد أنها قد تزوجت من كريم ابن وائل!
قال لها وائل يوما: إنه بإمكانهما أن يذهبا في رحلة على الخيل فيزورا جبل الشيخ بجليده الدائم ووادي الأردن بشتائه الربيعي ثم يصعدا جبال عجلون ويبيتان في الصحراء في الأزرق، فيعيشان في يوم واحد مجموعة من المناخات المختلفة والمتباعدة والتي في غير هذا المكان لا يجمعها معا إلا قارة فسيحة.
- أنت لم تغادر النهر ولكنه غادرنا، تقول أوريت، كأننا نعيد حالة خروج آدم من الجنة، كأن جفاف النهر يرمز إلى خروجنا من الجنة، جفاف النهر وتلوثه مثل تآكل ملابس آدم وحواء عندما تناولا الثمرة المحرمة التي يجب ألا يقتربا منها، وكذا النهر يعلن خروجنا من الجنة، تغير كل شيء، ولم يعد لوجودنا معنى، برأيك لماذا قتل إسحق رابين؟
يتذكر عندما كان يسبح في النهر مستعيدا كل حكايات الأنبياء والقديسين، ويجلس في الكهف المجاور لشاطئه، يستريح ويحتمي من الحر، ويشرب من الماء الذي ينز من سقفها، لكنه كان أكثر من الظل والبرودة وا

























